تلعب الهوية الثقافية دوراً محورياً في تشكيل ملامح التصميم الداخلي، إذ تمثل منظومة من القيم والرموز والعادات التي تتجسد في الفضاءات الداخلية وتسهم في ترسيخ الانتماء الوطني والحفاظ على التراث. ومع تسارع التحولات المرتبطة بالعولمة، يواجه التصميم الداخلي تحديًا يتمثل في خطر تهميش الخصوصيات الثقافية لصالح أنماط عالمية متشابهة، الأمر الذي يفرض ضرورة إعادة توظيف المحددات الثقافية المحلية داخل الفراغات السكنية والتمثيلية، ولا سيما في سياقات الشتات الفلسطيني.
ينطلق هذا البحث من سؤال رئيس مفاده: كيف يمكن لتعزيز محددات الهوية الثقافية الفلسطينية في التصميم الداخلي للمنازل أن يسهم في تأكيد الحضور الوطني ضمن فضاءات دبلوماسية خارج الوطن؟ يتناول البحث حالة تطبيقية لتصميم منزل سفير فلسطيني في المغرب، من خلال دمج عناصر من التراث الفلسطيني – مثل رموز التطريز الفلسطيني، وشجرة الزيتون، وبعض المفردات الشعبية – مع مفردات من الطراز المغربي، بما في ذلك الأقواس، والزخارف الهندسية، والمواد الطبيعية المحلية، بهدف إنتاج فضاء داخلي يجسد التفاعل بين الثقافتين ويُبرز الهوية الفلسطينية ضمن إطار مغربي معاصر.
اعتمد البحث المنهج الوصفي التحليلي ومنهج دراسة الحالة، حيث تم أولًا استعراض مفهوم الهوية الثقافية ومحدداتها الرئيسة في السياقين الفلسطيني والمغربي، ثم تحليل المحددات المادية والرمزية المقترحة في تصميم المدخل وصالة المعيشة والمكتب في منزل السفير، بوصفها فضاءات تمثيلية وسيادية تستقبل الضيوف وتعكس صورة الهوية الوطنية. أظهرت النتائج أن التصميم الداخلي يمكن أن يكون وسيلة فعالة لتعزيز الهوية الثقافية وإبراز الانتماء الوطني، وأن دمج العناصر الفلسطينية مع الخصائص الشكلية والمادية للطراز المغربي يتيح إنتاج هوية ثقافية مركبة وغنية، تعبر عن التعايش والحوار بين الثقافات بدلًا من التصادم البصري.
كما بينت الدراسة أن توظيف رموز التراث الفلسطيني، ولا سيما وحدات التطريز الشعبي وشجرة الزيتون، إلى جانب الأقواس والمقرنصات والزخارف المغربية والمواد الطبيعية مثل خشب السنديان ورخام ماركينا الأسود، يعزز من البعد الرمزي للفضاء ويخدم رسالته الدبلوماسية في تمثيل الثقافة الفلسطينية ضمن سياق مغربي. يوصي البحث بضرورة إدماج محددات الهوية الثقافية في مشاريع التصميم الداخلي، خاصة في الفضاءات التمثيلية كمنازل السفراء والمؤسسات الثقافية، وتشجيع المصممين على التعامل مع هذه المحددات بوصفها موردًا تصميميًا يتيح الجمع بين الأصالة والمعاصرة، لا عائقًا أمام التطوير الشكلي والوظيفي.
الكلمات المفتاحية: الهوية الثقافية الفلسطينية، التصميم الداخلي، الفضاءات الدبلوماسية، الطراز المغربي، منزل السفير؛ التراث الفلسطيني.
